منتدى الشباب للثقافة

بسم الله الرحمن الرحيم منتدى الشباب يرحبب بكم , إنه المنتدى الدي سيرفع من مستواكم الثقافي ودلك لتبادل الافكار بين الاعضاء .
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قيام الحكومة محمد ايت الحاج الباحث في علم السياسة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هابرماس



المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 05/05/2011

مُساهمةموضوع: قيام الحكومة محمد ايت الحاج الباحث في علم السياسة    الخميس مايو 05, 2011 8:50 am



الحكومة عبارة عن [الإدارة] صغيرة كانت أو كبيرة بدائية أو معقدة، وحتى عائلة تسكن وحدها في غابة أو كهف، لابد وأن يكون أحد أفرادها بمثابة الحكومة، حيث يفصل النزاع، ويرد المعتدي، ويقضي بين المتنازعين، ويفعل ما يقدم العائلة، وهل تفعل الحكومة الكبيرة المعقدة في الحال الحاضر، إلا تلك الأمور؟

نعم الأمم الابتدائية تحتاج إلى الحكومة احتياجاً أقل من احتياج الأمم المتحضرة، وقد ورد في الأحاديث أن الخليفة كان قبل الخليقة، وفي القرآن الحكيم: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)(1) وإنما يكون احتياج الأمم الابتدائية إلى الحكومة أقل لأمور:

1 ـ قلة الجماعة الابتدائية، مثل سكان الكهوف والغابات، وجماعات الرعي والصيادين على سيف البحار، وما أشبه ذلك، فإن الجماعة القليلة، قليلة روابطها ونزاعاتها ونزاعات الآخرين معها، وهكذا.

2 ـ قلة الملكية، وبدائية التعامل فإن كثيراً من الأمور المحتاجة إلى الحكومة في الأمم المتحضرة، إنما تنشأ من كثرة الملك وكثرة التعامل.

3 ـ وحدة الدين والعقيدة والفكرة في الأمة البدائية، فلا اختلاف تنتهي إلى المنازعة بما تحتاج إلى الحكومة.

4 ـ كما أن عدم وجود المدينة ونحوها، يقلل من الاحتياج إلى الحكومة حيث لا نظم في حالة عدم وجود المدينة فلا حاجة إلى وجود النظام، وحافظ النظام.

الحكومة في الأمم البدائية

وفي الأمم الابتدائية، تبتدء الحكومة بكبار القوم، وفي مجلس استشاري كما كانت دار الندوة في مكة المكرمة كذلك، إلا إذا كانت عشيرة واحدة مثلاً: فأمور الحكومة منوطة بالكبير، سواء كان كبيراً سناً ـ وهو الغالب ـ أو الكبير علماً ونحوه، ولذا كان الكهان والعرافون في الجاهلية مرجعاً في المنازعات ونحوها.

والعقاب في الحكومات البدائية يشبه العقاب في الحكومات المتحضرة، مع بعض الفوارق، فالضرب والشتم والاستهزاء والطرد والحرمان عن مثل الإرث والمقاطعة، وأحياناً السجن والقتل والمصادرة عقوبات بدائية، كما أنها عقوبات في العصر الحاضر.

الحكومة في العصر الحاضر

والحكومة في العصر الحاضر، عبارة عن مؤسسات متعددة تحتويها مؤسسة كبيرة تنسق بينها، تقوم بالأمور التالية هي:

1 ـ النظم.

2 ـ رد اعتداء بعض على بعض.

3 ـ التقدم.

4 ـ الدفاع.

وهذه الأمور تقوي الحكومة، حيث أن الاجتماع يحس بالاحتياج إلى الحكومة من خلال ممارستها للأمور التالية، أكثر فأكثر، وبالأخص الدفاع في حال الحرب مع الأعداء، إذ يشعر الاجتماع بالاحتياج الشديد، حيث أنهم يرون أنه لولا الحكومة يكون كل شيء لهم في خطر، ولذا يبذل الناس في حــال الحرب ما لا يبذلون في حــال السلم، وقد اشتهر أن [الحرب من جنون التقدم].

الاحتياج إلى الحكومة

ومما تقدم يظهر، الاحتياج إلى الحكومة على كل حال، لا أنها من ولائد الملكية الشخصية كما يقوله الماركسيون، إذ قد عرفت الدليل على خلاف كلماتهم، وقولهم هذا يشبه قول فرويد من أن أساس الحكومة القضية الجنسية وقول ثالث أن أساسها حب الاستيلاء والشهرة…

وبذلك يظهر اعتباطية أن الملك الخصوصي يسبب تقسيم الاجتماع إلى طبقتين، طبقة الأثرياء، وطبقة الفقراء، وأن الأولين يوجدون الحكومة، لأجل حفظ أملاكهم، ولأجل استغلال الآخرين، ولأجل تحطيم المقاومة التي يبديها الآخرون رغبة في التخلص من نير الأولين.

ثم إنه قد تصطلح [الدولة] مرادفة [للحكومة] وقد تستعمل عبارة عن الأعم من الحكومة، حيث تشمل الدولة، الأمة، الأرض، والطبقة الحاكمة، فإذا لم تكن أرض أو أمة أو طبقة حاكمة لا تسمى دولة…

أسباب تعقد الحكومة في العصر الحاضر

ثم إن الحكومة في العصر الحاضر، صارت أصعب من الحكومة في العصر السابق لأمرين:

1 ـ للصناعة وكثرة النفوس.

2 ـ للصلف والغرور، بيان ذلك:

أن الصناعة أوجبت كثرة الحاجات، والحاجة تحتاج إلى تمهيد السبيل والنظم والتنسيق، وما أشبه، مثلاً: سفر الإنسان في الحال الحاضر، صار أضعاف سفره في زمان الدواب، والسيارة، والطائرة، والقطار، والفندق وما أشبه صارت بكثرة هائلة، وكل تلك الكثرة بحاجة إلى النظم، وفتح الطريق أمامها بصنع المطارات والمحطات والكراجات، والفنادق وأنظمة المرور، وأنظمة المنازعات المرتبطة بها وغير ذلك.

وكثرة الجمعية أوجبت مشاكل جديدة، حيث يلزم فتح الطرق، وتهيئة الوسائل مثل المدارس، والمصحات، ودور العجزة وما أشبه، مثلاً: إذا كانت مدينة فيها مائة ألف بحاجة إلى عشر طرق عامة، كل طريق بعرض خمسين ذراعاً فإذا ارتفعت نفوس المدينة إلى خمسمائة ألف احتاجت إلى خمسة أضعاف ذلك طرقاً وسعة، وهكذا الكلام في المدارس وغيرها.

أما الصلف، فلأن الحكومات أخذت تحد من الحريات، وتريد التوسعة وتريد المصفقين، وبذلك أوجبت لأنفسها مشاكل معقدة، حيث دست أنفها في كل شيء، ولم تترك الناس يعملون كما يشاءون وتكون الدولة رقيبة عليهم فقط، وإدارتها الاستعمارية والاستغلالية أوجبت لها مشاكل جدد، كما أن توظيف المصفقين أوجب مشاكل أيضاً، مشكلة كون الوظيفة غطاءاً، ومشكلة تحصيل المال لأجلهم، ومشكلة إدارتهم وإلى آخر.

بينما الحكومة إذا عقلت ورجعت إلى وظيفتها الحقيقية [من الأمور الأربعة المتقدمة] لم تتعقد إلا ثلث التعقد الحالي، حيث أن نصف تعقدها بسبب الصناعة والجمعية يزول، وكل تعقدها بسبب الصلف يزول وذلك لأن إعطاء حرية الثقافة والصناعة والزراعة والتجارة، وما أشبه للناس يرفع عن كاهل الحكومة مشكلات كبيرة، فالناس يبنون المدارس والمستشفيات والمصانع والمطارات وغيرها، لكن الحكومة تشرف لعدم إجحاف أصحاب تلك الأمور على الناس… فأي لزوم لأن تكون هذه الأمور تابعة للدولة؟

بل إذا أعطيت الحرية للناس في هذه الأمور، استفاد الاجتماع فوائد جمة هي:

1 ـ ظهور الكفاءات والطاقات الكامنة.

2 ـ العمل الدائب، حيث أنه فرق بين الموظف الذي لا يعمل إلا بقدر الواجب ببلادة وجمود، وبين من يركض لنفسه ليل نهار.

3 ـ وصول الحاجات إلى كل الناس حيث التنافس الحر بين التجار وأصحاب تلك المشاريع، لأن كلاً يريد فتح السوق لنفسه.

4 ـ قلة الأثمان وما أشبه للتنافس الحر أيضاً.

5 ـ عدم بقاء الأيادي العاطلة فتختفي البطالة، ولا يخفى ما في ذلك من الفوائد.

6 ـ عدم نظر المجتمع إلى الدولة بكراهية، حيث لم تحدد الدولة حرياتهم وطاقاتهم.

7 ـ عدم وجود الطبقية الحادة.

8 ـ عدم توتر الاجتماع بالمظاهرات والاضطرابات.

9 ـ اختفاء الأمية والمرض والجهل والجريمة، وذلك لأن الاجتماع بكله يركض لإصلاح نفسه، ووصولها إلى أقل قدر ممكن.

وبذلك يظهر، أن تحويل كل الأمور من أيدي الناس إلى أيدي الدولة، كما يفعله الماركسيون، أو تحويل بعض الأمور إلى يد الدولة، كما يفعله الرأسماليون خطأ… وعليه فاللازم على الدولة أن تكون المراقب لا المباشر، نعم إذا بقي فراغ سدته الدولة، وبذلك تريح وتستريح.

لا… لتكثير الدوائر

فما اتخذتها الدول الحديثة من تكثير الدوائر، والتدخل في كل الشؤون سبب مشكلات جمة منها:

1 ـ تعقد الأمور.

2 ـ تجميد الطاقات لما تقدم من أن من طبيعة الموظف الجمود.

3 ـ الإضرار بالاقتصاد.

4 ـ خنق الحريات والكفاءات.

5 ـ الروتين القاتل للطاقات.

أما تعقد الأمور، فلأن كثيراً من الأشياء احتاجت إلى تقرير الدولة لها، بينما لم تكن في السابق كذلك، مثلاً: السفر بالطائرة والقطار أو ما أشبه احتاج إلى إجازة الدولة، بينما السفر بالدواب لم يكن كذلك… والبناء احتاج إلى إجازة ادلولة، بينما لم يكن في السابق كذلك.

وأما تجمد الطاقات، فلأن هؤلاء الموظفين كان عليهم أن يسعوا في تكثير الإنتاج أو الثـــقافـــة، أو العلاج ـ بــأن يـــكونوا أطباء ـ وهكذا، والآن هم جـــمدوا في إدارة وظــائف الدولة، وأمامي تقرير يقول: إن موظفي أمريكا في عام (1950م)(2) كانوا (1/1) مليون، بينما ارتفعوا في عام (1955م) إلى (4/7)… لأنه لاشك أن بعضهم زادوا لزيادة الجمعية، أو لأجل تقدم الصناعة، أما الكثرة من الزائد فليسوا إلا لأجل الصلف والغرور.

وأما الإضرار بالاقتصاد، فلأن المنتج صار مستهلكاً، حيث أن الموظف منتج بطبعه، أما إذا صار موظفاً فقد تحول إلى مستهلك.

وأما خنق الحريات وتجميد الكفاءات، فلأن الوقت الذي يصرفه الشعب في تحصيل الإجازة للسفر والإقامة والبناء والعمل والزراعة والصناعة والتجارة وغيرها ـ بينما يلزم أن تكون كلها حرة، كسائر الأعمال الحرة ـ خنق لحريته، بالإضافة إلى كونه ضرراً باقتصاديات البلاد، حيث أن هذه الأوقات يجب أن تصرف في الإنتاج، بالإضافة إلى أن الذهاب إلى الدوائر ومصارف الدائرة، والرجوع إلى البيت وما أشبه، كلها تلتهم المال.

ثم إن الدولة لا تأذن لبعض الطالبين بأن يتاجر أو يزارع أو ما أشبه ذلك لعدم توفر الشروط القانونية ـ الموضوعة صلفاً، لا بحق ـ وذلك تجميد لطاقات كثيرة في الأمة، حيث أنه إذا كانت الحريات تفتقت تلك الطاقات عن مواهب كامنة، واكتشافات انتفع بها البشر.

والروتين ـ أو كتابنا وكتابكم ـ حيث تحول هذه الدائرة المراجع إلى دائرة أخرى، وهلم جراً، شيء يوجب السأم، وبلادة العمل، والتضجر من الدولة، فبينما وضعت الدولة لتخدم الناس، صارت تستخدم الناس، وبينما وضعت لحل المشكلات، صارت تزيد المشكلات، وتعقد المشكلات، وهكذا.

وربما يقال: إن تعقدي الأمور، للوقاية، والوقاية خير من العلاج، وفيه: أنه هل تمنع الدولة الناس ليلاً من التجول إلا من حصل على الإجازة، أو تبيح التجول ـ كما هو الحق الطبيعي للإنسان ـ وإذا سرق سارق أو ما أشبه عاقبته على سرقته؟… إن الفرق بين إعطاء الحرية، وعلاج الفاسد، وعدم إعطاء الحرية خوفاً من الفساد كالمثال الذي ذكرناه.

اعتذارات زائفة

ومما تقدم ظهر، زيف اعتذار الدول الحاضرة، عن كثرة موظفيها:

1 ـ بكثرة الجمعية.

2 ـ وبمعطيات النصاعة، مثلاً: السيارة تحتاج إلى قوانين المرور وهي بحاجة إلى موظفين، وهكذا التلغراف والتلفون وغيرها.

3 ـ وبالمظاهرات وبالإضرابات التي واكبت الحرية الحديثة بسبب الديمقراطية، حيث أنها تحتاج إلى العلاج، وذلك لا يمكن إلا بالموظفين.

4 ـ وبأن هدم النظام بالانقلابات العسكرية وما أشبه صار كثيراً ولذا نجد الانقلابات في كثير من البلاد، فالدولة مضطرة لحفظ الأمن بواسطة أجهزة كثيرة.

5 ـ وبكثرة الجريمة من السطو والاختطاف والقتل وما أشبه، وذلك بحاجة إلى أجهزة جديدة للحيلولة دونها، بالإضافة إلى تكثير أجهزة القضاء للعقاب والفصل.

6 ـ بأنها لتسهيل الحياة، أمثال [شركات التأمين] مما لم تكن سابقاً، وهي أيضاً بحاجة إلى موظفين لضبطها وتطبيق القوانين عليها.

وجه الزيف أن كثرة الجمعية وتقدم الصناعة، وإن كانا بحاجة إلى موظفين إلا أن سهولة الحياة بسبب معطيات الصناعة، قللت من الموظفين، فإذا لوحظت تلك الزيادة بنسبة هذه القلة، صار الفارق صفراً، أو دون الصفر، حيث أن الاحتياج إلى زيادة عشرة، بينما الاستغناء عن اثني عشر مثلاً، مما يلزم أن نستغني عن بعض الموظفين الذين كنا سابقاً ـ قبل الصناعة وكثرة الجمعية ـ بحاجة إليهم.

مثلاً: قبل عصر السيارة، كان البلد الذي نفوسه مائة ألف، بحاجة إلى مائة كناس للبلدية، أما بعد صنع سيارات الكنس صار البلد الذي نفوسه مأتا ألف، بحاجة إلى عشرة كناسين فقط، حيث تسرع سيارات الكنس في تنظيف المدينة، وكذا بالنسبة إلى إنارة المدينة، وإيصال الماء إليها ونحو ذلك حيث إن ماكنة الكهرباء والماء، أغنتا عن جملة من الموظفين، وكذلك بالنسبة إلى سيارات النجدة، والأفراس الدورية سابقاً وهكذا.

إذاً: فلنجعل الاستغناء بالآلة، مكان الاحتياج لأجل الآلة، وحينذاك يظهر أن الاستغناء يأخذ رقعة أكبر ـ في خريطة الموظفين ـ من الاحتياج.

ب ـ والمظاهرات والإضرابات، إنما هي بسبب ظلم الحكومات إما بعدم إعطاء الناس حقهم في الحوائج، وإما في الآراء، بعدم إعطاء الحرية للاشتراك في الانتخابات، حيث قلة يستبدون بالحكم، وهو ظلم لآراء الآخرين، سواء كان الاستبداد علنياً كحكومات الشيوعيين والانقلابيين والوراثيين، أو مغلفاً كالغالب في الديمقراطيين… فاللازم دفع الحيف، لا إبقاؤه وتكثير الموظفين لأجل قمع طلاب العدالة.

ج ـ وأما التطلع إلى هدم النظام، فذلك إما للظلم وهو الغالب ـ كما تقدم في بند [ب] ـ وإما لحب السلطة، فذلك موجود، وإن لم يكن ظلم، لكن الثاني لا يوجد إلا في قلة، ومن الممكن علاج أولئك القلة، بما يعالج به سائر المجرمين وذلك لا يحتاج إلى زيادة موظفين… ولهذا الذي ذكرناه من أن الغالب كون الانقلاب لأجل الظلم، ترى كثرة الانقلابات، أو محاولاتها في البلاد التي هي أقرب إلى الظلم وأبعد عن العدالة الاجتماعية.

ولا يخفى، أن الانقلابات العسكرية التي رأيناها ـ منذ ثلاثين سنة ـ لم يكن حتى واحدة منها نابعة من ذات البلاد، بل كانت انقلابات شرقية أو غربية أو مزدوجة، وكلها أتت بالأسوأ مما قبل الانقلاب، حيث أن الاستعمار أحكم قبضته على البلاد أكثر فأكثر… والانقلاب العسكري مهما برر له أصحاب الانقلاب لا يوافق ديناً ولا عقلاً إذ كيف يتسلط جماعة من أصحاب الدبابات على الأمة بدون رضاها واستشارتها… بينما الحكم عقلاً وشرعاً يجب أن يكون مستنداً إلى اختيار الأمة، [في غير الأنبياء والأئمة، حيث أن هناك اختيار الله تعالى وليس لإنسان الخيرة إذا قضى الله أمراً].

ثم كيف تعترف الدول بالحاكم الجديد؟ أليس ذلك لأن الغرب والشرق قسموا العالم، فإذا حدث انقلاب من أحدهما، تحت قفاز الجيش وما أشبه اعترفوا به، لأنه في فلكهم، ونصبوه ليحمي مصالحهم، وهل يقر الشرق والغرب بأن ينصب إنسان معلماً في مدرسة ليدرس أربعين طفلاً، بدون سوابق واختبارات وما أشبه؟ فإن قالوا: نعم، أجيب: بأن قوانين التعليم ـ في كل العالم ـ لا يسمح بذلك وإن قالوا: لا، يقال: فكيف لا يسمح ذلك لمعلم أربعين طفل؟ ويسمح ذلك لحاكم عشرات الملايين ـ أحياناً ـ؟ أليس ذلك دليلاً على مؤامرة العالمين، ومن في فلكهما ضد شعوب العالم الثالث؟

والمشكلة لم تنشأ من الخارج، وإنما من داخل بلاد العالم الثالث [والتي منه العالم الإسلامي] وهي عدم الوعي، فلماذا يسلم ملايين الناس أنفسهم لحفنة عسكريين، لا يتجاوزون ـ أحياناً ـ بضعة ألوف، بل أقل؟ ولماذا لا يتساءل العالم نفسه: لماذا لا يحدث انقلاب في أمريكا وبريطانيا وفرنسا و؟!! بل وحتى في إسرائيل ذات الملايين القليلة؟ هل لأن هناك لا أطماع لأعدائهم؟! أو لأنه لا مغامرين يحبون الحكم؟! أو لوعي تلك الأمم ضد مثل هذا الشيء؟ حتى إذا غامرت جماعة واستندت إلى مؤامرة أعدائهم، رفضتها شعوبهم، وقدموا الانقلابيين إلى المحاكم؟! حتى يحكم عليهم بمثل ما يحكم على قطاع الطرق والسلابين؟!

ومشكلة الاستعمار المستغل، ومشكلة المغامرين المتآمرين مع الاستعمار ستبقى في العالم الثالث، إلى أن يحصل الوعي لشعوب هذا العالم، ويكون الحكم فيه تبعاً للانتخابات الحرة، في إطار الشروط المقبولة للحاكم [والتي منها استجماعه لشرائط الإسلام في العالم الإسلامي] وسنذكر في آخر هذه المسألة كيفية إعادة الحكم الإسلامي إلى بلاد الإسلام بإذن الله تعالى.

د ـ وأما كثرة الجريمة، فهي تابعة لأمور:

1 ـ عدم الإيمان ـ الرادع الداخلي للإنسان عن الجريمة ـ.

2 ـ الحرمان، مثل الفقر الموجب للمرض والجهل وعدم الازدواج وما أشبه.

3 ـ المغريات الموجبة لسهولة ارتكاب الجريمة.

4 ـ تمكن الانفلات من العقاب، لما في المحاكم من الالتواءات والمنعطفات… والجريمة ستبقى، بل تزداد، مادامت هذه العوامل باقية، سواء كثر الموظفون أم لا؟ فالمهم إصلاح الجذور، لا قطع الفروع، فهو كمستنقع يعطي الأمراض والجراثيم، فليس الحل تكثير الأطباء، وتوفير الأدوية، وإنما الحل علاج المستنقع.

هـ ـ ويبقى أخيراً، أمثال [التأمين] و [البنوك] وما أشبه، مما حدثت في العصر الحاضر… وفيه: أنه لماذا الحكومات تستولي على مثل هذه الشؤون حتى تحتاج إلى كثرة الموظفين؟ ألم يكن من الأفضل أن تكون هي بأيدي الناس، مع رقابة الدولة حتى لا يجحفوا، كما ذكرناه في السابق؟

طريق الخلاص

وعلى هذا، فاللازم على الشعوب الواعية أن تضع البرامج الصحيحة لأجل إنقاذ أنفسها عن هذا الاختلال في ميزان الحكومات، بأن يقلل من الموظفين حتى يصلوا إلى الحد اللازم، وينقلوا البـــقية إلى الــقطاعات العامة ويجعل هذا التعديل تدريجاً في مدة مناسبة، لئلا يختل التوازن.

فتشكل لجان خاصة في كل وزارة وزارة، لأجل ملاحظة الفائض من الموظفين، وملاحظة الحريات المهدورة للناس، فتعطي للناس الحريات، وبقدره يسحب الموظف المرتبط بتلك الحرية المهدورة، مع جعل ذلك الموظف في شأن يناسبه لئلا يبقى عاطلاً… مثلا: بيع المطارات للناس، مع اشتراط عدم إجحاف المشترين على الناس الذي يريدون السفر وجعل مراقب في الدولة لذلك، وموظفوا المطارات إن شاؤوا، وشاء المشترون بقوا على أعمالهم، لكن العمل حينئذ للناس، وإلا وجدوا لهم عملاً مناسباً، ولو مستقلاً لتربية الدواجن، وإذا لم يكن للموظف رأس مال لذلك، أعطته الحكومة قرضاً لمدة معقولة حتى يسدده أقساطاً في تلك المدة… وهكذا.

ويجب أن لا يخدع الإنسان بأن زيادة الدوائر، وزيادة الموظفين تحول الدولة من الدولة السياسية إلى الدولة الإنتاجية، وهي تحول ضروري، إذا أردنا دفع الأمية، وإيصال العلاج إلى كل الشعب، وتحسين معيشة الفقراء و… إذ هذا الكلام صرف خيال لا واقع له، فإن زيادة الموظفين والدوائر قد عرفت مفاسدها، وتسمية الدولة [بالإنتاجية] لا تغير من الواقع شيئاً.

نعم، الدولة في حالة الحرب، تحتاج إلى [تحديد معتدل] من حريات الناس، لأجل إدارة الحرب، كما أنها كذلك في حالة الطوارئ كالأمراض والزلازل ونحوهما ـ والضرورات تقدر بقدرها ـ كما أنها في حالة السلم، بحاجة إلى وزارة الحرب، بقدر ما يحفظ السلام، واستعداداً لحرب ممكنة، ولكن هذا ـ أيضاً ـ غير تكثير الدوائر والموظفين بصورة مطلقة، مما استدل به أنصار زيادة الدوائر والموظفين.

والحاصل: أن هذا الدليل [الثاني] والدليل الأول [الحكومة الإنتاجية] أخص من المدعى.

وعلى ما ذكرناه، فاللازم أن يجعل الأصل [الحرية] للشعب، ثم يجعل قليل هذه الحرية بقدر الضرورة، لا أن يجعل الأصل [الحكومة الإنتاجية] تمنح بقية الحريات للناس.

واللازم على الشعوب التي تتمتع ببعض الحريات:

1 ـ استرداد بقية حرياتها عن دولها ـ وفي المثل الحق يؤخذ، ولا يعطى، وقد قال علي عليه السلام: لا تكن عبد غيرك، وقد جعلك الله حراً ـ(3).

2 ـ الاهتمام لإسقاط الديكتاتورية في سائر الحكومات، لتقوم مقامها الحكومات الاستشارية، كما أسقطت الشعوب ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية وروسيا الستالينية و:

أ ـ سواء كانت الدولة ديكتاتورية بحتة كروسيا.

ب - أو دكتاتورية نصفية، وهي التي فيها انتخابات، ولكن رئيس الدولة يبقى رئيساً ـ بأي اسم كان ـ ويعين من بعده خليفته، ولو كان ذلك تحت أغطية براقة.

ج ـ أو ديكتاتورية مغلفة بالجماعات الضاغطة، والداعية العريضة، وتدخل رأس المال ونحوها مما تحرف إرادة الناس في الانتخابات بإيجاد الأجواء المكذوبة ولو تبدلت الحكومة من أعلى رئيس فيها، كأمريكا.

كيفية إنقاذ المسلمين

وأخيراً، فإن كيفية نجاة المسلمين بإيجاد حكومة واحدة لهم، تكون بالاختيار الحر لرئيسها المرضي لله، وبكون الأحكام الإسلامية بحتة، ليعيش المسلمون تحت ظلها في أمن ورفاه وسيادة وتقدم، هي:

1 ـ بالتنظيم الإسلامي العالمي، سواء في بلاد الإسلام أو غيرها، ولعل ما يحتاج إليه من التنظيم، في إقامة مثل هذه الحكومة، هو عشرون مليون منظم، يدخل فيه مختلف الأحزاب والتنظيمات الإسلامية الحالية، كأجنحة عاملة لأجل ذلك الهدف السامي المتفق عليه.

2 ـ بالتوعية الإسلامية العالمية، توعية سياسية اقتصادية اجتماعية [إيجاباً] وضد الاستعمارية والتجزيئية [سلباً].

3 ـ بالسلم في الحركة، حتى يمكن أخذ الزمام، قال سبحانه: (ادخلوا في السلم كافة)(4).

وقال تعالى: (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة…)(5).

4 ـ بالجماهيرية، بأن لا يصبح التنظيم صنماً، وإلا كان ذلك يساق سقوطه.

5 ـ بالاستغناء عن البضائع والأفكار الشرقية والغربية… كل ذلك وإن طالت المدة، والله الموفق المستعان.

كيفية التوعية والتنظيم

ثم إن كيفية الشروع في التوعية والتنظيم أن تشكل نواة مركزية مهمتها الأمران المذكوران، فتبعث إلى العالم ما لا يقل من ألف عضو لينظم كل في محله تنظيماً لأجل الحكومة الإسلامية الواحدة، بعد تربية النواة لأولئك الأعضاء تربية خلقية وعملية، فيشرع كل فرد في إنماء نفسه بضم أعضاء آخرين إليه…

أما التوعية فهي بفتح ما لا يقل من مائة مجلة، ومائة مكتبة، لكل مكتبة ما لا يقل من مأة ممثلين، يكوّن جميعهم عشرة آلاف مركز لبيع الكتب المعنية بهذا الأمر، واللازم أن تتواجد في كل مكتبة ـ من الأصول والممثليات ـ كتب الاقتصاد والسياسة والاجتماع، والكتب ضد التخلف والاستعمار.

وبذلك ينمو الوعي تدريجاً… وإلى جانب كل ذلك، تكون من مهمة الأعضاء، استدراج الأحزاب والمنظمات والجمعيات والصحف والمكتبات وسائر وسائل الإعلام، والمفكرين إلى هذه الفكرة، حتى يجمع الكل في شلال واحد…

وإنما شرطنا [السلم] في الحركة، لأن العالم المدجج بالسلاح لا يمكن للتنظيم المذكور أن يقابله بالسلاح، إذ عدم وجود السلاح في الطرفين بنسبة متعادلة، يوجب سقوط ذلك التنظيم.

كما أن اشتراط [الجماهيرية] لأجل أن لا يصبح التنظيم صنماً يوالي ويعادي في سبيل التنظيم مما يفقده الجماهيرية، وكل حركة لا تسندها الجماهير خليقة بأن لا تكون إلا جمعية خيرية كبيرة، ولقد كان من أسباب سقوط غالب الحركات الإسلامية ـ أي عدم وصولها إلى الحكم مع أنها تعمل زهاء نصف قرن أو أكثر ـ الصنمية، مما أخاف الجماهير من وصولهم إلى الحكم فحالوا بينهم وبينه بمختلف الوسائل.

وإنا نرى أن حركة الأنبياء عليهم السلام كانت تتسم بالسلم والجماهيرية، حيث أنهم كانوا يسالمون حتى وهم في أوج قدرتهم، كما فعله الرسول صلى الله عليه وآله عند فتح مكة وغيره ـ إلا لدى قصوى حالات الاضطرار ـ وكذلك فعله علي عليه السلام بعد أن ظفر بأصحاب الجمل والنهروان… كما أن الأنبياء كانوا يقبلون حتى الأراذل ـ في اصطلاح الكفار والمنافقين ـ.

أولاً: لاستدراجهم إلى الطريق السوي.

وثانياً: لاكتساب الجماهيرية، فهل الأفضل أن يعاديك إنسان ظاهراً وباطناً، أو باطناً فقط، أما قوله سبحانه: (هم العدو)(6) و (في الدرك الأسفل)(7) فالمراد الكشف من الحقائق، وأن لا يخدع الإنسان بظاهر المنافق، لا أن يطرده.

التنظيم الإسلامي وعوامل الاستقطاب

واللازم على التنظيم الإسلامي أن يكون مغرياً، يأتي علماً وعملاً بما يسبق العالم، وإلا فالناس لا يتركون ما هم فيه من الرفاه إلى الأسوء ـ بنظرهم ـ وكذلك فعله الرسول صلى الله عليه وآله أعطى العلم، والألفة، والرفاه، والسيادة، والحرية لعالم كان غارقاً في الجهل والانشقاق وصعوبة العيش، واستعباد طبقة قليلة لجماهير الناس، ولذا أقبلوا إليه صلى الله عليه وآله في وقت قصير.

ولذا فاللازم أن يعطي التنظيم الإسلامي في العصر الحاضر، ما يفقده العالم المتحضر، من حرية الإنسان، وكون عمل كل إنسان لنفسه، والأخوة لكافة بني الإنسان.

فإن من طبيعة الناس أن لا ينضووا تحت لواء المتعجرفين الذين يجعلون آراءهم فوق آراء الآخرين، والذين يصعبون الحياة على الناس، ولذا قال سبحانه: (يريد الله بكم اليسر)(Cool وقال تعالى: (وشاورهم في الأمر)(9) وقال عز شأنه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)(10).

وفي دعاء الإمام السجاد عـــليه الســلام: (اللـــهم سددني لأن أعارض من غشني بالنصح، وأجزي من هجرني بالبر، وأثــيــب من حرمني بالــبذل، وأكـــافي من قطعني بالصلة، وأخالف من اغتابني إلى حسن الذكر، وأن أشكر الحسنة، وأغضي عن السيئة)(11).

واللازم أن يكون هذا المنهج، هو منهج التنظيم: كتابة، وقولاً، وعملاً، إذ لا يكفي أن يقول الإنسان للناس، كونوا كذا، أو أن يكتب في كتبه حسن منهجه ثم يكون عمله خلاف ذلك، فإن الإنسان يقاس قوله بعمله، ولذا ورد في الحديث: (كونوا دعاة الناس بغير ألسنتكم)(12).

وقال علي عليه السلام: (لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، الناهين عن المنكر العاملين به)(13) وقبل ذلك قال القرآن الحكيم: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(14).

كيف يتم تأمين البعد المالي؟

يبقى السؤال، في أنه من أين هذا القدر الكبير من المال، لإدارة ولو مقدمة التنظيم والوعي أي ألف شخص، ومأة مجلة، وعشرة آلاف ممثلية والارتباط بالإعلام والمفكرين؟

والجواب: إن الأمر تدريجي تصاعدي، والمال في البلاد الإسلامية كثير جداً، فاللازم على النواة العاملة أن تجد إلى المال سبيلاً، ولو بقدر متوسط من المال، تنميها في التجارة ونحوها، حتى يكون المال دورياً، فمثلاً تحصل على مليون دينار، وتستثمر بما يعطي الربع كل عام، وبقدر الربع المذكور تتقدم إلى الأمور المذكورة، وهكذا.

ثم الله سبحانه وتعالى ـ وهو أقوى الناصرين ـ من وراء العاملين المخلصين قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من يحث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً)(15) وقال سبحانه: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) (16) وقال تعالى: (أن ينصركم الله فلا غالب لكم)(17).

التحرير… يجب أن يكون شمولياً

وربما يقال: لا يمكن تحرير بلد واحد فهل يمكن تحرير كل بلاد الإسلام مرة واحدة؟ وفيه: إن المشكلة إنما نشأت من إرادة تحرير بلد واحد، فهل يمكن أن يقوم بلد واحد على قدمه، ويستمر استقلاله، في وسط بحر من المناوئين من مستعمري الشرق والغرب وعملائهم في البلاد الإسلامية، والكل يعلم أن البلاد الأوروبية وأمريكا تحتوي على أكثر من تسعمأة مليون متحالف وروسيا تحتوي على أكثر من ربع مليار، وهكذا.

وربما يظن بأنه يمكن تحرير بلد بلد، تنظيراً لعمل الرسول صلى الله عليه وآله حيث حرر بلداً بلداً، وفيه: أنه تنظير مع فارق، فإن الرسول صلى الله عليه وآله عمل في عالم متفكك والآن ارتبط العالم بعضه ببعض، فإذا لم يتحرك العالم الإسلامي بكله لم يتمكن أن يقف على قدمه.

نقاط… في كيفية العمل

واللازم لأجل استقامة الأمر أمور:

1 ـ أن تجعل النواة ـ البادئة بالعمل ـ نفسها ميزاناً للحكم، لا أن تتهيأ لتسلّم الحكم، حيث أن العاملين المخلصين إذا مارسوا الحكم، لم يتمكنوا من تقويم الحكم، وبذلك يفوتهم الهدف الذي هو تطبيق حكم الإسلام كاملاً غير منقوص.

2 ـ أن يصب الحكم، بحيث توزع القدرة، ولا يبقى مجال للديكتاتورية فإن من طبيعة القدرة أن تطغى [إلا في المعصوم] وقد قال علي عليه السلام: (من ملك استأثر)(18) وإن لم يفعل ذلك ينتهي الحكم، إلى مثل حكومة الأمويين والعباسيين والحكم الديني المنحرف ابشع من الحكم الدنيوي المنحرف ـ كما رأيناه في الحكومتين، وحكومة محاكم التفتيش، وغيرها ـ فاللازم أن يكون لكل فئة مجلة وجريدة، وإذاعة وتلفزيون، وكلمة مسموعة [كل ذلك في نطاق الاستشارة] إلى آخره.

3 ـ أن يكتب برنامج الحكم، في سياسته وإدارته واقتصاده واجتماعه وعقوباته وحرياته ومعاملاته، وحكم الأقليات الدينية وغيرها، وينشر على الجميع حتى يكون الحكم واضح المعالم، يختاره كل من يراه، لأنه يراه أفضل من برامج سائر الأحكام السائدة في العالم الحاضر.

الحكومة الإسلامية الواحدة والمؤامرات الاستعمارية

وبعد كل ذلك، فهل يمكن قيام حكومة واحدة إسلامية؟ وهل تترك الحكومات المحلية والحكومات الاستعمارية ـ خصوصاً والوفاق حاصل بينهما ـ أن تقوم مثل هذه الحكومة؟

الجواب: نعم ذلك ممكن بل واقع، إذا أخذ بهذه المقدمات المذكورة أما الحكومات المحلية، فإنها تذاب في بحر تلك الحكومة الواحدة، قرب قيامها، فإن الحكومة ليست إلا مؤسسة كبيرة، فإذا واجهت مؤسسة أكبر، انهزمت من الميدان، شأن ذلك شأن كل حكومة أخذت مكان الحكومة السابقة في العصر القديم أو الجديد.

وأما الحكومات الكبرى فلا تتمكن من تسديد ضربة قاضية للحركة المذكورة لا بنفسها ولا بعملائها.

أ ـ إما أنها بالمباشرة لا تقدر، ف:

1 ـ خوفها من تصادم القوتين الكبريين أي أمريكا وروسيا.

2 ـ أن الحركة لما ألقت السلاح من نفسها، ألقت السلاح من يد أعدائها والمناوشات الجزئية بالسحن ونحوه، فضلاً عن أنها لا تزيل الحركة، فإنها لا توقف الحركة أيضاً.

3 ـ إن الحركة منتشرة، لا ميدان خاص لمحاربتها، ولو حوربت في جبهة خاصة لم يضرها ذلك، حيث الجبهات الأخر مفتوحة تعمل، وتمد الجبهة التي تحارب فيها…

ب ـ وإما أنها بوكلائها ـ الحكومات العميلة في المناطق الإسلامية المرتبطة بالغرب والشرق ـ لا تقدر على مواجهة الحركة.

أولاً: لما تقدم من أنها تغرق في بحر الحركة الواسعة، فلا تتمكن من أن تنجي نفسها فكيف تتمكن من أن تحمي أسيادها.

وثانياً: لأن الحركة واسعة لا يضرها قيام حكومة صغيرة ضدها، حيث تشتغل وتنمو سائر أجزاء الحركة، وتمد الجهة المحاربة بالدعاية وغيرها.

أما الوفاق بين الحكومتين الشرقية والغربية، فلا يضر.

أولاً: لأنه مائع إلى أبعد حد حيث أنه ليس عن هدف مشترك، بل حصيلة الرعب النووي والاصطدام.

وثانياً: فالأقطاب صاروا أربعة، بإضافة دول أوروبا، والصين، وفي وجود الأقطاب الأربعة يمكن العمل أحسن مما يمكن في وجود قطبين، فإن توزيع القدرة يجعل كل قدرة عاجزة عن العمل بمقدار خوفها عن القدرة الأخرى.

ولذا نرى أن الحكومة ذات الأحزاب، لا تقدر من التعدي على الشعب، بقدر ما تقدره الحكومة ذات الحزب الواحد، إذ الأولى تخاف من المنافس بينما الثانية ليست كذلك، ولأجل ما ذكرناه، اشتهر في الآونة الأخيرة [قوة العجز] و [عجز القوة] فالعزلة عن السلاح قوة هائلة، في حال أنها عاجزة عن قوة السلاح، والقوة المتعددة الرؤس عاجزة عن العمل لخوف كل رأس من الرأس الآخر.

ركائز البناء الحركي

ثم من أهم الأمور في النواة المركزية للحركة، أن تبني نفسها وأفرادها على:

1 ـ أن يصمدوا أمام الصعوبات والإغراءات، فإن أول شيء يهدم الحركات الاستجابة للإغراءات أو للمصاعب، فإذا ربيت الحركة على الصمود والاستقامة كان البقاء والنمو من نصيبها، والإنسان الصامد المستقيم، يجلب أنظار الناس ويوجب التفاف الناس حوله، مما يسبب ربح الحركة بذلك ربحاً كبيراً.

2 ـ أن يشعر الكل بأنهم يتمكنون أن يعيشوا تحت ظل الحركة، لا في أمن وسلام فحسب، بل أن الحركة توجب نموهم وتوسيع آفاقهم، ولذا فاللازم على الحركة أن تجد المخلص ـ عن تناقضات الاجتماع، بالحزم والمداراة [فما وضع الرفق على شيء إلا زانه، وما وضع الخرق على شيء إلا شانه].

3 ـ أن تبني أبنية متوازية، بين السياسة والاقتصاد والاجتماع، وضد التخلف والاستعمار و… فإن أية حركة [أو حكومة] لم تقدر على البناء المتوازي، كان مثلها مثل الطائرة أو السيارة التي لا موازاة بين أجنحتها وعجلاتها، فإنها آئلة إلى السقوط والعطب، والله سبحانه المستعان.



1 ـ سورة البقرة آية 30.

2 ـ حيث أن التاريخ المدون في الكتب التي نقلت منها هذه الإحصائيات ـ هو تاريخ ميلادي، ولعدم إمكان تطبيق ذلك على التاريخ الهجري ـ لعدم ذكر الأشهر غالباً ـ لذلك تركنا التاريخ كما هو. منه (دام ظله).

3 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص401.

4 ـ سورة البقرة آية 208.

5 ـ سورة النساء آية 77.

6 ـ سورة المنافقون آية 4.

7 ـ سورة النساء آية 145.

8 ـ سورة البقرة آية 185.

9 ـ سورة آل عمران آية 159.

10 ـ سورة آل عمران آية 159.

11 ـ الصحيفة السجادية دعاء مكارم الأخلاق ص125.

12 ـ بحار الأنوار ج/67 ص303.

13 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص188.

14 ـ سورة الصف آية 2.

15 ـ سورة الطلاق آية 2.

16 ـ سورة محمد آية 7.

17 ـ سورة آل عمران آية 160.

18 ـ تحف العقول ص15.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قيام الحكومة محمد ايت الحاج الباحث في علم السياسة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشباب للثقافة :: إبداعات :: مقالات في المجال الفلسفي و الاجتماعي-
انتقل الى: