منتدى الشباب للثقافة

بسم الله الرحمن الرحيم منتدى الشباب يرحبب بكم , إنه المنتدى الدي سيرفع من مستواكم الثقافي ودلك لتبادل الافكار بين الاعضاء .
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 دور المؤسسات في البناء الاجتماعي الباحث محمد ايت الحاج في المجال علم الاجتماع السياسي و الاجتماعي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هابرماس



المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 05/05/2011

مُساهمةموضوع: دور المؤسسات في البناء الاجتماعي الباحث محمد ايت الحاج في المجال علم الاجتماع السياسي و الاجتماعي   الخميس مايو 05, 2011 8:27 am

[size=24]
إذا ظهرت فكرة جديدة، أو صنعة جديدة، في الاجتماع لابد وأن تغير المؤسسات والقوانين بقدرها ـ وتغيير الشيء الجديد للمؤسسات الأخرى على أربعة أقسام:

1 ـ فسخ الشيء القديم، وقيام الشيء الجديد مكانه.

2 ـ أن يكون الشيء الجديد موجباً لأسرعية مؤسسة أخرى من سرعة تحرك الشيء الجديد.

3 ـ بالعكس من الثاني بأن تكون المؤسسة الأخرى أبطأ في السير من الشيء الجديد.

4 ـ أن يتساوى الجديد والمؤسسة الأخرى في الحركة.

وهذا المبحث له فائدتان:

(الأولى): تلافي السرعة والبطؤ في المؤسسة الأخرى، حيث تضر الأسرعية أو الأبطئية أو المساواة في الحركة بما يلزم تعديله.

(الثانية): المعرفة المستقبلية بقدرما يلزم من تحرك مؤسسة أخرى، بسبب الشيء الجديد ـ وسيأتي الكلام فيهما ـ.

الجديد… قد ينسخ المؤسسة

1 ـ فما يوجب النسخ، مثل السيارة حيث نسخت الأسفار بالدواب، فهذا الشيء الجديد نسخ الشيء القديم، وكذلك في القانون، مثلاً: لمّا ظهرت السيارة في بريطانيا، جعل قانون أنه يلزم أن يمشي أمام السيارة رجل بيده لواء أحمر يهزه كي يتجنب المارة الطريق حتى لا تدهسهم السيارة، ثم جيء بقانون جديد ألغي بموجبه هذا القانون، وفي الأمثلة الإسلامية قانون أربعة أشهر وعشراً نسخ قانون [إلى الحول] ـ بأي معنى فسرنا النسخ ـ.

… وقد يوجب تسريع حركتها

2 ـ وما يوجب تسريع حركة مؤسسة أخرى مثاله سيارة تسرع، وتأتي سيارة أخرى تنافسها، فتسرع أكثر من سرعة الأولى، وقد حدث هذا الشيء بالنسبة إلى القمر الروسي لما أطلق في الخمسينات، حيث سبب أن تغير أمريكا مناهجها الدراسية، حتى لا تسبقها الروس، وبذلك تمكنت لا من إطلاق القمر فحسب، بل من أن تنزل الإنسان على سطح القمر.

… وقد يحركها ببطء

3 ـ أما الجديد الذي يوجب تحرك مؤسسة أخرى، لكن يكون التحرك لها أبطأ، فهو كتوسعة المدن حيث أسرعت في الآونة الأخيرة، وهي بالطبع تحرك المؤسسات المرتبطة بالاجتماع كالمدرسة والمسجد ومركز الشرطة والمستوصف والماء والكهرباء والتبليط والتلفون والمواصلات وغـــيراه، لكن الغــــالب أن هذه المؤسسات لا تتمكن أن تلحق المدن الجديدة بالسرعة التي تسير بها المدن الجديدة، فترى أكثر المدن الجديدة في آسيا وأفريقيا ـ بالأخص ـ تفقد القدر الكافي من المؤسسات التي تحتاج المدن الجديدة.

ومثال آخر: إن مؤسسة الإعلام [كالراديو والتلفزيون والصحف والكتب] ومؤسسة النقل: [كالسيارة والطائرة والباخرة والقطار] ومؤسسة البضائع: [كمختلف الحاجيات، سواء في الأكل أو اللباس أو التجمّل أو غيرها] أسرعت في العصر الحديث، مما خرقت الحدود الجغرافية، وانطلقت لا تعرف إلا إيصال نفسها إلى كل العالم، بينما الحدود الجغرافية لم تلحقها بالسرعة المطلوبة، فهي بعد تقف دون إيصال تلك المؤسسات أنفسها إلى العالم.

وليس سبب هذا البطؤ إلا أن المؤسسة الحكومية وهي الحامية للحدود لم تتمكن أن تطور نفسها حسب مقتضيات العصر الحديث، فلم تسرع في السير بالقدر المطلوب، وجعلت السدود والقيود أمام سرعة تلك المؤسسات ولذا فالصيغة الملائمة للحكومة بعد سرعة تلك المؤسسات أن تسقط الحدود، وإنما يكون شأن الدولة: أعمالها الأصلية من حفظ العدالة، وإجراء عدالة القضاء، والتقديم بالأمة إلى الأمام، والسوق الأوروبية المشتركة قد خطت بعض الخطوات في هذا السبيل، لكنها لا تكفي بالمطلوب حتى بالنسبة إلى أعضاء السوق، فكيف بكل العالم… أما البلاد الإسلامية فهي من أكثر البلاد تأخراً في هذه الناحية.

وقد يحركها بشكل متساو

4 ـ والمؤسسة الجديدة التي توجب سرعة لمؤسسة أخرى مساوية للسرعة الجديدة، فهي ككثير من المؤسسات الموازية للأخرى في السرعة في العمل… وإذا لم يحصل التناسب بين الجديد، وبين مؤسسة أخرى يجب أن تعمل متناسقة مع الجديد، حصل الانفصام الضار، كما تقدم في مسألة سابقة، مثلاً: إذا صنعت المدينة الجديدة، ولم يكن لها مركز الشرطة، صارت معرضة لعدم الأمن من جهة اللصوص، أو إذا لم تفتح لها مدرسة صارت معرضة لأمية أبنائها ما يهدد مستقبلهم وهكذا.

المعطيات

أما الفائدتان:

(فالأولى): وهي تلافي السعرة، فإنها تكون إذا عرفت كيفية الارتباط بين المؤسستين وكمية مقدار الحاجة، مثلاً: إذا شرعنا في صنع معمل كبير، يستهلك بناؤه عشر سنوات لابد وأن يلاحظ أنه كم يحتاج من المثقفين عدداً؟ وكم يجب أن يكون مستوى معلوماتهم كيفاً، وبتلك المناسبة نبني مدرسة إلى جنب المعمل، فإذا كان عدد طلابها أكثر من المطلوب كان معناه أن المؤسسة المرتبطة بالمعمل: [المؤسسة الجديدة] أكثرت السرعة، كما أن العكس معناه أنها أبطأت في السرعة المطلوبة.

(والثانية): وهي المعرفة المستقبلية، إنما يمكن إذا عرف:

1 ـ الشيء الجديد كماً وكيفاً.

2 ـ وعرف ما يحدثه في المستقبل، معرفة حسب الموازنة العلمية، مثلاً من كان يرى السيارة كان يعرف أنها توجب توسيع الطرق، مثلاً: فإذا عرف الأمران يلزم وضع خطط المستقبل، بحيث تلائم بين الشيء الجديد، وبين سائر المؤسسات والقوانين.

والفرق بين الأولى، والثانية، أن الأولى بصدد إيقاع التناسب بين الشيء الجديد، وبين الأمور في الحال، والثانية بصدد التناسب بينه وبين الأمور المستقبلية، والحاصل لزوم التنسيق بين الشيء الجديد، وبين ما يرتبط به في الحال والمستقبل.

التغيير بين الإرادة البشرية وعامل الزمن

ثم إن النسخ والتغيير ـ كما تقدما في (1 ـ 4) ـ قد يتركان لعامل الزمن وقد يساعدان حتى يدخلاه الاجتماع في أقرب وقت ممكن، وبأقل قدر ممكن من صرف الطاقات، والثاني أولى لأن فيه عدم هدر طاقات يمكن الاستفادة منها، مثلاً: إذا وضعنا المعمل ولم نعجل في فتح المدرسة لأجله مرت عشرات السنوات حتى تكون مدرسة منتجة لاحتياجات المعمل ـ في المثال المتقدم ـ وفي ذلك هدر طاقات المعمل، وحرمان الإنسان عن فوائد نتائج المعمل في المدة القريبة.

ثم إن استجابة المؤسسات الملائمة ـ نسخاً أو تغييراً ـ للشيء الجديد، كثيراً ما تكون حسب مرور الزمان، وباختلاف نوعية المؤسسات المستجيبة سرعة وبطوءاً، كمالاً ونقصاً، مثلاً صنع السيارة يغير من مؤسسات وقوانين ـ أي أموراً مادية ومعنوية ـ مثل تغيير الشوارع والأزقة والدور، وكيفية التــنـزه والمجيء إلى العمل من مسافات بعيدة، ووظائف شرطة المرور والمحاكم، والخطر على الفتيات، حيث يمكن اختطافهن أو يمكن إغراؤهن مما يلزم تحصينهن أمام هذا الخطر، وإمكانية ارتكاب الجريمة بصورة أسهل، وغير ذلك، ومن الواضح أن كل ذلك لا يمكن تنسيقه بمجرد صنع السيارة، بل هي أيضاً تتدرج فلا يتزامن وجودها وكمالها في وقت واحد.

وكذلك اختراع القنبلة الذرية، تغير في سياسة الدول، وإمكان الهجوم والدفاع وصنع الملاجئ، وميزانية الدولة الصانعة لها، حيث أنها تؤثر على جعل الميزانية لسائر الأمور كالتعليم والصحة وغيرهما، لكن هل كل ذلك يمكن مع اختراع القنبلة، أو هل تكون كل تلك في زمان واحد؟؟

فقدان التناسق بين المؤسسات

ثم إنه قد يمنع التغيير في المؤسسات ونحوها حسب ما يلائم الأمر الجديد، مثلاً:

حصل في الصناعة تقدم كبير، بينما لم يحصل بقدره تقدم في الأجور وذلك لأن الرأسمالية المنحرفة تردي أن تمتص كل ما يمكن من الفائدة، ولا تستعد لتغيير قانون المؤجر والمستأجر ـ حسب العدل ـ تنسيقاً مع التغيير الحادث في أجهزة الإنتاج.

ومن أقسام عدم التناسق بين المؤسسات عدم نظر الدولة إلى البلاد التي تحت نفوذها بنظرة واحدة، لأمر طائفي أو عرقي، أو لوني، أو ما أشبه، فيكون نصيب بعض البلاد من الحضارة اكثر من نصيب غيره، وذلك يوجب الخطر على الدولة، حيث أن البلد المحروم يأخذ في التململ حتى يوجد مشكلة للدولة، وأحياناً ينتهي بسقوط الدولة، سواء في الدولة الديمقراطية، أو الديكتاتورية، منتهى الفرق أنه في الديكتاتورية يكون السقوط بالسلاح، وفي غيرها بالتسبيب من سحب الثقة عنها، مما يوجب سقوطها أو عدم انتخابها لمرة أخرى.

ومن أقسام عدم التناسق أيضاً أن يكون العقاب للمجرم بالمستوى اللائق بينما لم يكن التعليم والتربية ورفع الاحتياجات بالمستوى اللائق، إذ الحرمان محل ولادة الإجرام، فعدم رفع الحرمان مع جعل العقاب الصارم للإجرام، ليس فقط لا يقطع جذور الإجرام، بل يجعله مضاعفاً، حيث يتحدى المجرمون السلطة بالإجرام ، ولذا ورد في الشريعة عدم العقاب الصارم للسارق أيام المخمصة، وللمجرم المضطر إلى الجريمة إلى غيرهما، وقد ورد في المثل (كلما فتحت مدرسة أغلق سجن) و (كلما فتحت تعاونية أغلق مستشفىً).

متى يلزم التنسيق بين المؤسسات

ولا يخفى أن ما تقدم من لزوم التنسيق بين المؤسسات إذا أسرعت مؤسسة في التقدم إنما يصح إذا كانت سرعة تلك المؤسسة سرعة صحيحة، أما إذا كانت سرعة غير صحيحة لزم التخفيف من سرعتها لا إسراع سائر المؤسسات حتى يحصل التناسق بينها وبين سائر المؤسسات.

مثلاً: السرعة في إنتاج البضائع، قد تكون غير صحيحة لأنها تكون فوق قدر احتياج الإنسان، مثلاً: الإنسان يحتاج إلى مليون سيارة كل شهر فإذا أسرعت المعامل في إنتاج مليون ومائة ألف سيارة كل شهر كانت زيادة المائة ألف باطلة، فمن اللازم حذفها لا تسريع المؤسسات المرتبطة بإنتاج السيارات حسب سرعة معمل الإنتاج، إذ الإسراع للمعمل حينئذ معناه:

1 ـ هدر المواد بينما المواد وضعت للحاجات أخر، أو لأجيال أخر [إذا فرض وجود كل الحاجات الأخر، مما لا يبقي مجال لصرف المواد في الحاجات الأخر].

2 ـ هدر الطاقات البشرية، فلماذا تصرف الطاقات فيما لا ينفع، بل اللازم صرفها في حاجيات أخر، وإذا فرض عدم الحاجة لصرف الطاقات البشرية في الحاجات الأخر، يلزم أن تصرف تلك الطاقات في تقدم العلم، وفي العبادة، وفي التنزه، وفي ما اشبع ذلك.

وكالسرعة في ما ذكرناه [أي لزوم أن يخفف من السرعة، لا أن تنسق السرعة مع المؤسسات الأخر] المؤسسات الهدمية أمثال صنع السلاح، ومؤسسات اختراع السلاح، والمؤسسات التي تخدم السلاح، كمؤسسات التنقيب عن مواد السلاح، والمؤسسات التي تحمل وتنقل وتخزن وتحفظ السلاح، فإن اللازم ملاحظة قدر الحاجة الملحة منها، وصرف ما زاد ـ مادة وطاقة بشرية ـ في غيرها، فإن السلاح ضرورة والضرورات تقدر بقدرها.

وكذلك حال السرعة في صنع المؤسسات المحتاج إليها بيد الدولة فإنها سرعة غير صحيحة، فليس اللازم تنسيق سائر المؤسسات الحكومية حسب سرعة تلك المؤسسات، بل اللازم عدم تدخل الحكومة في المؤسسات غير المرتبطة بها، وإنما تكلها الحكومة إلى الشعب فهم يقومون ببنائها، وإنما تكون الحكومة مشرفة لعدم إجحافها ـ كما تقدم في مسألة سابقة ـ وإذا لم يقم الشعب ببنائها بنتها الدولة، ثم تبيعها إلى التجار ليقوموا بشؤونها فلا يثقل كاهل الدولة بها… إلى غير ذلك.

فإن كلا من العلم والعمل [كعلم وعمل اختراع وصنع السلاح، وكعمل المؤسسات التي لا ترتبط بالحكومة] يحتاج إلى الاعتدال بأن لا يكون إفراط ولا تفريط، والمؤسسات الدينية والأخلاقية والقوانين المنبثقة منهما، هي التي تتمكن من حفظ الاعتدال، وسر ما نراه اليوم من الانحرافات في كلا مجالي العلم والعمل، هو ضعف المؤسسات الدينية والأخلاقية، وهو نتيجة طبيعية لمنطلق الغرب والشرق ف فلسفتهما، حيث أن فلسفة الغرب: [دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله].

وفلسفة الشرق: اللاءات الخمسة: (لا دين، لا أخلاق، لا حرية، لا عائلة، لا ملكية) ومن يحذف من قاموسه الدين والأخلاق، ومن يمنع الدين والأخلاق عن التدخل في الحياة اليومية، من الطبيعي أن يصل إلى ما وصلا إليه.

تحطم المؤسسات

ثم إن النظم في المؤسسة قد يتعرض لخطر الانفراط، وإذا انفرط كان سبباً لتحطم المؤسسة، مثلاً: إذا هاجم جيش المدينة، أو حدث زلزال، أو جاء سيل جارف، فإنه يحطم النظم في نفس المدينة ومؤسساتها، فربما يطول أمد التحطم، مما يسبب زوال المؤسسة، وربما يكون موقتاً، مما يرجع النظم إلى المؤسسة، ولو بعد الترميم لما نقص منها… وليس من قبيل التحطيم، ما إذا توقف العمال عن العمل لأجل الإضراب، مثلاً: فإنه وإن أحدث اللانظم، إلا أنه ليس بتحطيم، وكذلك إذا ذهبوا لأجل استقبال أو عزاء، أو عرس، أو ما أشبه.

وإنما نذكر [التحطم في المؤسسة] لبيان المشابهة بين [الجديد البنائي] و [الجديد الهدمي] فكما أن الجديد في مؤسسة يوجب تجديد سائر المؤسسات المناسبة مع تلك المؤسسة ـ على ما تقدم ـ كذلك الهدم في مؤسسة يوجب الهدم في سائر المؤسسات المرتبطة، مثلاً: إذا خرب فيضان البحر الميناء، توقف [بسبب توقف الميناء] المؤسسات المرتبطة بالميناء، سواء كانت قبل الميناء كمجيء الباخرات، أو بعد الميناء كالشركات العاملة المبنية على حركة الميناء.

فكما أن اللازم في مؤسسة جديدة تنسيق مؤسسات معها، كذلك اللازم في مؤسسة مهدومة العمل في سائر المؤسسات المرتبطة بها بما لا يسبب انحرافاً أو عطباً، مثلاً: إذا أضرب القصابون عن بيع اللحم، كان اللازم توقف المجزرة عن الذبح، وإلا لزم تعفن اللحوم، إلا أن تجد المجزرة متنفساً آخر لبيع لحومها.

ثم الغالب أن تتكون منظمة جديدة، لإنقاذ المؤسسة المهدومة، سواء كان هدماً بكارثة أو بعمل إنساني، مثلاً: إذا ضرب الزلزال مدينة، تكونت فرق الإنقاذ، وإذا أضرب العمال تكونت فرق الإصلاح لأجل الصلح بين العمال المضربين، وبين الدولة أو الشركة التي يعمل العمال لأجلها.

والتخريب قد يكون كارثة، وقد يكون إنسانياً موقتاً، كالمظاهرات أو الإضرابات الموقتة، وقد يكون بعمل مؤسسة:

1 ـ صغيرة جماعة من اللصوص اتخذوا مغارة أو غابة، للانقضاض على القوافل.

2 ـ أو كبيرة كحزب سري هدفه هدم الدولة، وكل واحد منهما يغير من المؤسسات المرتبطة بهما، مثلاً: في جماعة اللصوص، تضطر السيارات إلى تغيير الطريق، أو استصحاب النجدة في السفر.

وفي الحزب السري تضطر الدولة إلى تغييرات واسعة أحياناً، مثل اصطحاب كل أعضاء الدولة السلاح ـ وأحيانا المسلحين ـ لأجل سلامتهم عن الاغتيال، ومثل جعل قوانين وحاكم خاصة لأفراد الحزب، ومثل تشكيل معسكرات الاعتقال ومثل تكوين جمعيات الشباب لتمتص فائض الشباب الذين يلحقون بالحزب المذكور إذا لم يجدوا متنفساً لطاقاتهم إلى غير ذلك… والغالب أن الإرهاب المضاد من الدولة للإرهابيين لا يزيد الأمر إلا إعضالاً، وإنما اللازم حل المشكلة بالتي هي أحسن.

والمؤسسة سواء كانت إنسانية أو صناعية، يمكن أن تكون حسنة كمؤسسة الأطباء لعلاج الفقراء، وكمعمل صنع اللوازم المنزلية، ويمكن أن تكون سيئة، كمؤسسة إرهابية، ليس من ورائها هدف شريف يرجح على الإرهاب وكمصنع عصر العنب خمراً، فاللازم أن ينظر إلى الهدف، ولذا فإذا كان الإضراب والمظاهرات [وهو تخريب وقتي على ما تقدم] يقصد منه إنصاف العمال في أجورهم كان حسناً، وإن قصد منه تخريب دولة صحيحة قائمة، أو إباحة الفحشاء والمنكر وما أشبه، كان سيئاً.

أنواع التحطيم

ثم إن هدم مؤسسة غير إنسانية، قد يكون بإفساد أجزائها، كما إذا حطمت السيارة، حيث لا يمكن تجميع أجزائها من جديد، وقد لا يكون فالإفساد، كما إذا فلت أجزاء السيارة، فإن أجزاءها تجمع من جديد، وكذلك حال المؤسسة الإنسانية، فقد تفل أجزاؤها بالبعثرة والتفكيك، وحينئذ يمكن الجمع والتنظيم من جديد، وقد تفل أجزاؤها بغسل المخ، حيث تنقطع العلاقة النفسية بينهم وبين المؤسسة، وحال هذا كحال تحطم أجزاء السيارة، حيث لا يمكن جمعها من جديد.

وأحياناً يكون فل المؤسسة الإنسانية لأجل أن الهدف قد حصل، كما إذا أسست لأجل إنقاذ المنكوبين في زلزال وما أشبه، فحيث ينتهي الهدف، تنتهي المؤسسة، أو تفل لأجل برودة أعضائها، أو لأجل أنهم يشعرون باستحالة السير إلى الهدف لاعتراض مشاكل في طريقهم، أو ما أشبه ذلك.

والغالب أن المؤسسات الإنسانية تتحول إلى مؤسسات سياسية عند الأوقات السياسية، ولذا نجد أنه بعد قصة التنباك في إيران كثرت المؤسسات التربوية والأدبية وما أشبه، فلما صارت قصة المشروطة، تحولت كل تلك المؤسسات إلى مؤسسات سياسية، وكذلك حال المؤسسات الاقتصادية، حيث تتحول إلى مؤسسات حربية إذا شنّت حرب على البلد.

آثار التحطيم القسري للمؤسسات

وإذا حطمت مؤسسة إنسانية بالقسر، فإذا كانت العلاقة بين أفرادها شديدة سبب التحطيم آثاراً سيئة في نفوس أفرادها، بخلاف ما إذا لم تكن العلاقة شديدة، مثلاً: إذا حطمت عائلة بالطلاق أو بقتل الدولة رئيس العائلة أو ما أشبه، أثر ذلك في أفراد العائلة تأثيراً سيئاً، ينتهي أحياناً إلى الانحراف والعقد النفسية، بل إلى الجنون أحياناً، أما إذا حطمت مؤسسة تربوية، كما إذا أغلقت الدولة جمعية خيرية للتربية أو ما أشبه، لم يؤثر التحطيم ذلك الأثر البالغ في أفراد المؤسسة.

وإذا فرض تحطم الاجتماع، فإن ذلك يؤثر تأثيراً كبيراً في أفراده، كما شاهدناه في العصر القريب بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق حيث حدث فيهم ما حدث، مما هو معلوم لا يحتاج إلى التفصيل.

ثم إن المؤسسة إذا حطمت بالقسر، فإن كان أفرادها قد تمرنوا على النظم والعمل، أوجد كل فرد منهم في المستقبل كياناً خاصاً، أما من قبيل نفس تلك المؤسسة، أو ما أشبه تلك في كونها عملاً منظماً باندفاع، وإن لم يكن التمرّن، أخذ كل فرد طريقه إلى أعماله الخاصة.

كما أن المجتمع إذا تحطم:

1 ـ فإن كان مجتمعاً تصاعدياً متحركاً قبل التحطم لم يؤثر التحطم عليه كثيراً، وذلك لأن الحركة التي صارت داخله في كيانه توجب التحام أجزائه من جديد، فلا لا يترك التحطم عليه أثراً عميقاً، أما إذا كان مجتمعاً جامداً قبل ذلك أثر التحطيم فيه أثراً شديداً، ولذا نجد أن الأمة الإسلامية لما تحطمت على أيدي المغول أثر التحطيم فيهم أسوء الأثر، حيث أن الخلافة العباسية كانت قد فسدت وأفسدت وترهّلت وجمّدت الطاقات، فلما تحطمت البلاد أثر التحطم في الأمة أسوء الأثر، وكذلك حال تحطم الخلافة العثمانية أمام غزو الصليبية والصهيونية والشيوعية.

أسباب تحطم المجتمع

ثم إنه يسبب تحطم الاجتماع أمران:

1 ـ المشكلات التي تنبع من خارج الاجتماع، مثل غزو الأعداء، والسيل والبركان، والزلزلة، والجفاف بسبب قلة الأمطار، أو أن يصبح المحل مستنقعاً أو ما أشبه ذلك، فإن الاجتماع مهما كان رصيناً ومتعاوناً لا يتمكن أن يقاوم مع وجود هذه العوامل، فالأعداء يحولون البلد يباباً، وإذا تواتر السيل أو انفجار البركان، أو الزلزلة على محل يرى أهله أن لا فائدة من بقائهم هناك، وبذلك يتشتتون وهكذا إذا جف البلد أو صار مستنقعاً، حيث قلة الأرزاق والأمراض.

ولمثل هذه الأسباب خربت الكوفة بعد أن ازدهرت حتى وصل نفوس أهلها زهاء أربعة ملايين، فإن حرب النهر وان وصفين فرضتا على الكوفة ـ ثم حرب ابن زياد ضد الإمام الحسين عليه السلام وحرب الشام للمختار (ره) وحرب ابن الزبير، وحرب التوابين، والحرب على ابن الزبير، وحرب زيد (ره) وحرب العباسيين على الأمويين، كل هذه الحروب جعلت من الكوفة محل تزلزل وعدم اطمينان، ولذا تشتت أهلها.

وهكذا يذكر التاريخ مدناً تشتت أهلها من جراء الزلازل والبراكين وما أشبه. وتشتت أهل سبأ بعد تحطيم السد، مما لم يبق لهم رزق.

2 ـ المشكلات التي تنبع من داخل الاجتماع، كما إذا وقعت بين المجتمع فرقة كبيرة سببت التنازع والمشكلات الدائمة لهم، فإن الإنسان إنما يفتش عن الأمن والراحة والاحترام والحرية، فإذا فقد أمثال هذه الأمور ذهب طالباً للمكان المناسب فينيخ رحله هناك، حيث يرى الاستقرار والرفاه.

مقومات بقاء المجتمع

ثم إن الاجتماع إذا بني بدون مقومات، لأمر طارئ، لم يمض زمان إلا ويتحطم ذلك الاجتماع، بخلاف ما إذا بني الاجتماع ـ ولو لأمر طارئ ـ لكن كانت له مقومات البقاء، ومقومات البقاء، إما أمر معنوي، أو أمر مادي، فمثلاً: سامراء بنيت في زمان العباسيين لأمر طارئ رآه الخليفة، وحيث لم يكن لها مقومات من الزراعة والصناعة والثروة المعدنية وكونها في طريق القوافل وما أشبه، لم يمض زمان وإلا تحطمت وتحطم معها الاجتماع، بخلاف البصرة فإنها بنيت وأثرت وكانت في ملتقى الطرق، ولذا بقيت قائمة إلى الآن.

أما الأمر المعنوي، فهو مثل كونه محل تقديس الناس ومرتبطاً بقلوبهم، مثل الكعبة المعظمة.

قال سبحانه عن لسان إبراهيم عليه السلام: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع)(1) فإنها بنيت على التوحيد، ومثل النجف وكر بلاء والكاظمية وخرا سان فإن كونها مدفن الإمام المعصوم حولها إلى مدن عامرة، وكذلك حال المدينة المنورة، فإن النبي صلى الله عليه وآله وردها وهي تحتوي على عشرة آلاف إنسان، كما يذكره بعض التواريخ، ثم تحولت إلى مدينة عامرة وإلى الآن.

ولولا التفرقة المذهبية الشديدة في كل من المدينة المنورة، وسامراء ـ حيث مدفن الإمامين عليهما السلام وحيث السرداب المقدس ـ لكانت هاتان المدينتان من أكبر المدن، فكلتاهما مهوى قلوب مآت الملايين من الناس.

ثم إن المجتمع الذي يعيش على استعمار الشعوب، أو على مبادئ سيئة، أو على الديكتاتورية، لا يمضي زمان إلا ويتحطم، كما تحطمت بريطانيا وتركيا وألمانيا وذلك لأن الأولى اعتمدت على خيرات غيرها، فإذا خرج الغير عن ربقة الاستعمار تحطم، والثانية اعتمدت على التفرقة الشديدة المذهبية والعرقية، والثالثة مارست الديكتاتورية… ومن أجل ذلك يرى المراقبون تحطم روسيا حيث الاستعمار للشعوب، وحيث الديكتاتورية، أما أمريكا فهي الأخرى معرضة للتحطم، حيث تفاوت الطبقات الحاد في داخلها، فإن الإنتاج ارتفع ارتفاعاً كبيراً، بينما لا يستفيد منه إلا الرأسماليون، أما الطبقة الكادحة فلهم أقل من لقمة العيش، هذا بالإضافة إلى أعمالها اللاإنسانية في كثير من بلاد العالم وغير ذلك.



1 ـ سورة إبراهيم آية 37.


[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
دور المؤسسات في البناء الاجتماعي الباحث محمد ايت الحاج في المجال علم الاجتماع السياسي و الاجتماعي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشباب للثقافة :: إبداعات :: مقالات في المجال الفلسفي و الاجتماعي-
انتقل الى: